جلال الدين الرومي
90
فيه ما فيه
تقولوه إلى كل من هب ودب : ( لا تعطوا الحكمة لغير أهلها فتظلموها ولا تمنعوها عن أهلها فتظلموهم ) لو أن لك حسناء أو معشوقة جميلة في نزلك وقالت لا تطلع علىّ أحدا فأنا ملكك فلا يحق لك أن تطوف بها في الأسواق وتقول لكل إنسان : تعالى لأريك هذه الحسناء فهي لا ترضى مطلقا بأن يحدث لها ذاك فتنقم عليك . وقد حرم الحق - تعالى - هذا الكلام عليهم شأن أهل النار ينادون صارخين لأهل الجنة بأن يتصدقوا ويتكرموا عليهم من عطايا الله ومواهبه لهم بدافع الكرم والمروءة ، وماذا يحدث لو أسقطتم علينا شيئا وآثرتمونا به ( وللأرض من كأس الكرام نصيب ) فنحن في النار نحترق وندوب فصبوا من تلك الثمار أو الماء الزلال في الجنة ذرّة على أرواحنا فلن يضيركم شيئا وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ [ سورة الأعراف الآية 50 ] . قال أصحاب الجنة قد حرمه الله عليكم ، وكان بذره في الدنيا فلم تزرعوه وتغرسوه في الدنيا وهو الإيمان والصدق فكيف لكم أن تجنوه عملا صالحا في الآخرة ولو آثرناكم كرما به فلأنّ الله حرمه عليكم فلسوف يحرق حلوقكم ولن يغوص إلى أجوافكم بل ولو وضعتموه في كيس لتمزق وسقط منه . أتى الرسول جماعة من المنافقين والأغيار ، وكان يشرح لأصحابه الأسرار ، وكانوا يمدحونه فقال الرسول لصحابته بالإشارة : ( خمروا آنيتكم ) أي غطوا أفواه أقداحكم وكئوسكم وأوانيكم وجراركم وأوعيتكم وأخفوها فهنا حيوانات نجسة وسامة فلما ولغت بأوانيكم فشربتم منها